يرى الكاتب مايكل يونج، محرر مدونة «ديوان» وكبير محرري مركز مالكوم كير كارنيجي للشرق الأوسط، أن الحرب الاقتصادية التي تخوضها إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ضد إيران تواجه تهديدات سياسية وكلفة استراتيجية باهظة، مشيرًا إلى أن استهداف بنك مصري كبداية لحملة العقوبات الأمريكية ضد طهران كان يهدف إلى تحذير المؤسسات المالية الإقليمية من العمل كقنوات للصفقات مع إيران، لكن التحدي الحقيقي يكمن في مراقبة الانتهاكات وإثباتها وإدارة التداعيات الاستراتيجية التي قد تتحمل واشنطن ثمنها.
وتناقش كارنيجي للشرق الأوسط في مقابلة أجرتها مدونة «ديوان» مع الدبلوماسي الأمريكي السابق تشارلز «تشاس» فريمان، تطورات الحرب الأمريكية والإسرائيلية على إيران وانعكاساتها على النظام الإقليمي، ولا سيما بعد توقيع اتفاق مكة للدفاع المشترك بين السعودية وتركيا وباكستان.
ويستعرض الحوار مستقبل النفوذ الأمريكي في الشرق الأوسط، وتداعيات الحرب على إسرائيل وإيران ودول الخليج، إلى جانب حدود قدرة واشنطن على استخدام العقوبات الاقتصادية كسلاح في مواجهة طهران.
اتفاق مكة يعكس تحولًا نحو الاستقلال الاستراتيجي
يشغل تشارلز فريمان، الدبلوماسي الأمريكي المتقاعد، منصب سفير الولايات المتحدة لدى السعودية بين عامي 1989 و1992، بعدما شغل سابقًا منصب نائب مساعد وزير الخارجية الرئيسي للشؤون الأفريقية عام 1986.
وترأس فريمان مجلس سياسة الشرق الأوسط عام 1997، كما يرتبط اسمه بخبرة طويلة في الشأن الصيني، إذ عمل نائبًا لرئيس بعثة السفارة الأمريكية في بكين بين عامي 1981 و1984، وشغل قبل ذلك منصب مدير شؤون الصين في وزارة الخارجية الأمريكية، فضلًا عن عمله مترجمًا رئيسيًا خلال زيارة الرئيس الأمريكي الأسبق ريتشارد نيكسون إلى الصين عام 1972. وشغل كذلك منصب مساعد وزير الدفاع الأمريكي لشؤون الأمن الدولي بين عامي 1993 و1994.
وفي حديثه مع «ديوان»، وصف فريمان اتفاق مكة للدفاع المشترك بأنه حجر أساس محتمل لبنية أمنية إقليمية جديدة، لكنه رفض تشبيهه بحلف شمال الأطلسي «الناتو». وأوضح أن الاتفاق يمثل صيغة للتعاون الأمني وليس نظامًا للدفاع الجماعي، إذ لا يضم قيادة عسكرية موحدة ولا يعتمد على وجود قوة خارجية راعية أو عدو مشترك، كما لا يجمع بين أعضائه نظام سياسي أو أيديولوجية موحدة.
وقال فريمان إن الاتفاق يمثل «وفاقًا» قابلًا للتطور، لكنه على الأرجح لن يصل إلى مستوى الالتزامات غير المشروطة بالدفاع المتبادل التي تميز التحالفات العسكرية التقليدية.
ويرى الدبلوماسي السابق أن الهدف الأساسي من اتفاق مكة لا يتمثل في إنشاء منظومة دفاع جماعي، وإنما في تعزيز الاستقلال الاستراتيجي للدول المشاركة. ويسعى الأعضاء الحاليون والمحتملون إلى تحقيق توازن مع القوى التي تطمح إلى فرض هيمنة إقليمية، في وقت تسعى فيه السعودية وتركيا وباكستان إلى تقليل اعتمادها السياسي والعسكري على واشنطن.
ويعتبر فريمان أن الولايات المتحدة أثبتت عدم قدرتها على كبح إسرائيل أو حماية شركائها الإقليميين من إيران، ولذلك يوفر الاتفاق أساسًا لتنويع العلاقات الدفاعية مع قوى دولية أخرى. كما يفتح المجال أمام تطوير صناعات عسكرية محلية تقلل الاعتماد على واردات الأسلحة الأمريكية والغربية، وتحد من مخاطر انقطاع سلاسل الإمداد لأسباب سياسية.
ويشير فريمان إلى أن كثيرًا من التحليلات تحاول تفسير الاتفاق الثلاثي باعتباره جزءًا من التنافس الأمريكي مع الصين وروسيا، لكنه يرى أن هذا التفسير لم يعد كافيًا لفهم التحولات الجارية. ومع تراجع النفوذ الأمريكي، ستزداد مشاركة الصين وروسيا في المنطقة، لكن الهند وإندونيسيا واليابان وقوى آسيوية أخرى ستوسع حضورها أيضًا.
ويعتقد أن النظام الدولي لم يعد قائمًا على علاقة ثنائية بين قوتين عظميين كما كان خلال الحرب الباردة، بل يتحول إلى نظام متعدد المراكز والشبكات، ما يمنح الدول التي كانت مقيدة سابقًا بالصراع الأمريكي السوفيتي مساحة أكبر للمناورة وتشكيل التحالفات للدفاع عن مصالحها.
حرب إيران أضعفت الردع الأمريكي ورفعت كلفة النفوذ في الخليج
انتقد فريمان بشدة الهجوم الأمريكي الإسرائيلي على إيران، معتبرًا أن الحرب أنتجت، في رأيه، «كارثة استراتيجية غير مسبوقة» لكل من إسرائيل والولايات المتحدة، وأنها تستدعي الاعتراف بالهزيمة والانسحاب وإعادة التفكير بصورة جذرية في سياسات البلدين.
ويرى أن الحرب تركت إسرائيل مكشوفة إلى حد كبير أمام احتمال تجدد الهجمات الصاروخية الإيرانية، بينما أدى ما وصفه بالعدوان الإسرائيلي على إيران، والحرب في غزة، والتهجير في الضفة الغربية، والتوسع الإقليمي في سوريا، والدمار الذي طال جنوب لبنان، إلى عزل إسرائيل دوليًا.
ويضيف أن الدور الإسرائيلي في دفع الولايات المتحدة إلى المشاركة في الحرب على إيران ودعم تحركات إسرائيل الأخرى أضر بصورة واشنطن لدى قطاعات متزايدة من الرأي العام الأمريكي، معتبرًا أن استمرار الدعم الأمريكي يمثل عاملًا أساسيًا في بقاء إسرائيل.
كما يرى فريمان أن الحرب ألحقت ضررًا كبيرًا بصورة القدرات العسكرية الأمريكية، بعدما كشفت، وفق تقديره، عدم قدرة القوات الأمريكية على بناء دفاع فعال في مواجهة قوة متوسطة مثل إيران تمتلك قدرات عسكرية مرنة وقادرة على استغلال نقاط الضعف.
ويقول إن الوجود العسكري الأمريكي في الخليج أصبح غير قابل للاستمرار، بينما استنزفت الحرب مخزونات الولايات المتحدة من الأسلحة الهجومية والدفاعية إلى مستويات قد تعوق قدرتها على توفير أنظمة دفاعية أساسية لأوكرانيا أو التعامل بفاعلية مع أزمات محتملة في منطقة المحيط الهادئ وآسيا. ويتوقع أن تحتاج واشنطن إلى سنوات لاستعادة القدرات التي فقدتها خلال الحرب.
ويعتبر فريمان أن الضرر الأهم لا يتعلق بالأسلحة والمخزونات العسكرية فحسب، وإنما بصورة الولايات المتحدة باعتبارها قوة تتمتع بالثبات والقدرة على القيادة. فقد أضرت الحرب، بحسب رأيه، بسمعة الدبلوماسية الأمريكية ودفعَت دولًا حول العالم إلى التحوط من مخاطر الاعتماد على واشنطن.
ويشير إلى أن الولايات المتحدة فقدت قدرًا كبيرًا من قدرة حلفائها والدول المرتبطة بها على اتباع سياساتها بصورة تلقائية، ولذلك عندما تطلب واشنطن من دول أخرى الانضمام إلى حربها الاقتصادية ضد إيران، لا تجد استجابة واسعة.
ويرى فريمان أن إيران أصبحت صاحبة نفوذ فعلي على مضيق هرمز، الذي تمر عبره نسبة كبيرة من إمدادات النفط والغاز العالمية. وفشلت، وفق تقديره، محاولات متكررة لإجبار طهران على التخلي عن سيطرتها على المضيق.
وفي ظل عجز القصف عن تغيير هذا الواقع، اتجهت واشنطن إلى حرب استنزاف اقتصادية ضد إيران، تعتمد على فرض عقوبات على الدول التي تتعامل تجاريًا مع طهران، حتى إذا كانت هذه الدول حليفة للولايات المتحدة. ويحذر فريمان من أن هذه السياسة قد تهدد الهيمنة المالية الأمريكية عالميًا، رغم أنه لا يرى فرصة موثوقة لنجاحها.
ويضيف أن الحرب قدّمت لإيران، في رأيه، أقوى مبررات ممكنة لتطوير رادع نووي. فقد أدى القضاء على عدد كبير من القيادات الإيرانية المعارضة، لأسباب دينية، لامتلاك أسلحة دمار شامل إلى تغيير الحسابات داخل إيران.
ويرى أن الحرب رفعت احتمالات اتجاه طهران نحو تطوير سلاح نووي، لكن العامل الذي قد يردعها يتمثل في إدراكها أن حصولها على السلاح النووي قد يدفع دولًا أخرى في غرب آسيا، بينها السعودية ومصر والعراق وتركيا، إلى اتباع المسار نفسه، ما قد يؤدي إلى خفض أمن إيران بدلًا من تعزيزه.
وعن القواعد العسكرية الأمريكية في الخليج، أوضح فريمان أن هذه القواعد لا تملكها الولايات المتحدة، وإنما تستضيفها الملكيات العربية الخليجية وتستخدمها القوات الأمريكية. ويعتقد أن الهجمات الإيرانية دمرت هذه القواعد وأجبرت القوات الأمريكية على التراجع نحو الأردن وإسرائيل.
ويقول، إن دول الخليج أدركت أن واشنطن استخدمت القواعد الموجودة على أراضيها ليس فقط للدفاع عنها، وإنما أيضًا كمنصات لإسقاط القوة العسكرية على إيران. ويرى أن إدارة ترامب، عندما تحركت لصالح إسرائيل ودون التشاور مع الدول الخليجية، ورطت تلك الدول في حرب لم تكن ترغب فيها، وألحقت بها أضرارًا جسدية واقتصادية كبيرة.
ويستبعد فريمان أن تقبل دول الخليج بسهولة بعودة الوجود العسكري الأمريكي إلى أراضيها بعد الحرب، مشيرًا إلى وجود مؤشرات على إجراء اتصالات هادئة مع إيران بشأن مطالبها المتعلقة بفصل هذه الدول عن السياسة الأمريكية المعادية لطهران وإبعاد القوات الأمريكية التي تعتبرها إيران مصدر تهديد.
تراجع الاعتماد على واشنطن يعيد تشكيل النظام الإقليمي
يرى فريمان أن دول الخليج تتعامل مع إسرائيل باعتبارها عاملًا رئيسيًا في زعزعة الاستقرار الإقليمي، لكنها لا تزال مترددة في اتخاذ خطوات مباشرة ضدها. ويعزو ذلك جزئيًا إلى إدراك هذه الدول قوة جماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل داخل الولايات المتحدة، والخشية من تعرضها لعقوبات أو ضغوط أمريكية إذا تحركت ضد إسرائيل.
ويشير إلى أن دول الخليج، مثل مصر والأردن في إطار اتفاقيات كامب ديفيد، اعتمدت طويلًا على الولايات المتحدة للضغط على إسرائيل، لكنها أدركت الآن أن واشنطن تفتقر إلى الإرادة السياسية اللازمة للقيام بهذا الدور.
وبحسب فريمان، تدفع هذه التطورات الدول الخليجية إلى البحث عن بدائل للاعتماد على الولايات المتحدة، ويشكل اتفاق مكة للدفاع المشترك الذي رعته السعودية مع باكستان وتركيا مثالًا واضحًا على هذا التحول، مع إمكانية توسع الاتفاق مستقبلًا ليضم أطرافًا أخرى.
وعن دور إيران في النظام الإقليمي الناشئ، يرى فريمان أن الإجابة ستتضح بعد انتهاء الأعمال العسكرية الأمريكية ضد طهران. فقد تحملت الدول الخليجية أضرارًا كبيرة بسبب الحرب، وتخشى عودة القتال نتيجة أخطاء أمريكية جديدة، كما تشعر بالغضب تجاه إيران بسبب تداعيات الحرب.
لكنها، في الوقت نفسه، تدرك حاجتها إلى التوصل إلى صيغة للتعايش مع الجمهورية الإسلامية. ويشير فريمان إلى أن سلطنة عُمان أصبحت شريكًا مضطرًا لإيران في إدارة حركة السفن عبر مضيق هرمز، بينما ستحتاج بقية دول مجلس التعاون الخليجي إلى التكيف مع هذا الواقع والتوصل إلى تفاهمات مع طهران.
ويرى أن الاتفاق الثلاثي الذي أسسه اتفاق مكة يمتلك قدرة كبيرة على التوسع، وقد يتطور، بحسب مسار الأحداث، من مجرد علاقة تشاورية مع إيران إلى احتمال انضمامها إلى المنظومة نفسها.
ويقول فريمان إن التركيز الإقليمي والدولي ينصب حاليًا على التوسع الإسرائيلي المستمر وإخضاع دول غرب آسيا، وهو ما طغى على المخاوف التقليدية من طموحات إيران للهيمنة الإقليمية.
وقد رحبت إيران باتفاق مكة، فيما تتردد معلومات عن بدء قائد الجيش الباكستاني، عاصم منير، حوارًا مع طهران بشأن طبيعة علاقتها بالاتفاق. ويظل مستقبل هذه العلاقة مفتوحًا على احتمالات متعددة في ظل إعادة تشكيل التحالفات الأمنية والسياسية في الشرق الأوسط.
وتشير قراءة فريمان إلى أن الحرب على إيران لا تعيد ترتيب موازين القوى العسكرية فحسب، وإنما تسرّع أيضًا تحولًا أوسع في بنية النظام الإقليمي. فمع تراجع الثقة في قدرة واشنطن على توفير الحماية الأمنية، تتجه دول المنطقة إلى تنويع شراكاتها العسكرية والاقتصادية، وتوسيع علاقاتها مع قوى دولية وآسيوية صاعدة.
وبذلك، قد تتحول العقوبات الاقتصادية التي تراهن عليها إدارة ترامب إلى أداة تحمل مخاطر تتجاوز استهداف الاقتصاد الإيراني، إذ قد تدفع الحلفاء والشركاء إلى البحث عن بدائل للنظام المالي الأمريكي، وتسرّع الاتجاه نحو نظام دولي أكثر تعددًا في مراكز القوة وأقل اعتمادًا على النفوذ الأمريكي وحده.
https://carnegieendowment.org/middle-east/diwan/2026/08/a-strategic-disaster-that-devalues-us-military-prowess

